يعيش لبنان حاليًا مرحلة انتقالية شديدة الحساسيّة، حيث تُراهن الحكومة اللبنانية على مسار تفاوضي تقوده بنفسها لإنهاء الحرب كليًا ومعالجة مختلف ارتداداتها، في حين يُراهن "حزب الله" على مسار تفاوضي مختلف تمامًا تتولاه إيران مع أميركا. وفي حين يبدو كلّ من هذين الخطّين مُكمّلين لبعضهما بعضًا في الشكل، فإنّ التعمّق بالتفاصيل يُظهر اختلافًا جوهريًا في المضمون. ماذا في التفاصيل؟
نعم، كل من مفاوضات الوفد اللبناني الرسمي في واشنطن ومفاوضات ممثّلي أميركا وإيران التي عُقدت جولتها الأولى في سويسرا، تهدف إلى إنهاء الحرب الإسرائيلية على لبنان، وتأمين انسحاب الاحتلال ووقف الخروقات والانتهاكات، والإفراج عن الأسرى والمعتقلين، وضمان عودة الجنوبيّين إلى قراهم وبلداتهم، وإطلاق ورشة إعادة الإعمار. لكن عند الغوص في التفاصيل، يلاحظ وجود اختلاف جوهري في الخلفيات والرؤية والأهداف البعيدة المدى وغيرها من التفاصيل.
فإيران التي تضغط لتثبيت وقف النار في الجنوب، والتي ينقل عنها مسؤولو "حزب الله" اشتراطها انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان، قبل توقيع أي اتفاق نهائي مع الولايات المتحدة الأميركية، ترغب بإعادة الوضع إلى ما كان عليه، قبل التَورّط في حرب إسناد غزّة. ومن شأن نجاحها في هذا المسعى، منح "حزب الله" الوقت الكافي لاستعادة أنفاسه، وتأمين الظروف الملائمة له للعمل مُجدّدًا بشكل سرّي لإعادة بناء البنية التحتية العسكرية التي كان يتمتّع بها قبل حروب السنوات الثلاث الأخيرة، تحضيرًا لجولات قتال في المُستقبل. وتُدرك طهران تمامًا أنّ من شأن إنهاء الحرب في الجنوب بالتزامن مع بقاء مناطق محتلّة، أن يضرب أساس العقيدة التي بنى "الحزب" كل مجده السابق عليها. وهي تعلم أيضًا أنّ الدُخول في أي عمليات مقاومة مُجدّدًا يُعيد لبنان إلى المُربّع الأوّل، وهو ما لا قُدرة لأحد على تحمّله، لا سيّما البيئة المُصنّفة حاضنة لمحور الممانعة. لذلك، من المتوقّع أن تتشدّد طهران خلال مفاوضاتها مع واشنطن، بالنسبة إلى البنود المرتبطة بالوضع اللبناني، لا سيمّا لجهة انسحاب إسرائيل، لأنّه من دون الدعم الإيراني، صار وضع "الحزب" صعبًا، وبات استمراره في أداء دور "رأس الحربة" بوجه مشروعات إسرائيل وأميركا لمنطقة الشرق الأوسط على المحكّ.
على خطّ مواز، إنّ لبنان الرسمي الذي يضغط من جهته لإنهاء الحرب تمامًا، وتحقيق مجموعة الخطوات المُكمّلة لذلك، لا يريد إبقاء الجنوب ساحة صراع مؤجّل، ولا يرغب بأن تبقى النار تحت الرماد، ويرفض أن تنتهي المعركة اليوم لتبدأ مباشرة التحضيرات للحرب المقبلة. من هنا، إنّ الفروقات كبيرة جدًا بين أهداف "الحرس الثوري" والحكومة اللبنانية. فإذا كانت إيران تتطلّع إلى عودة الوضع الذي كان قائمًا في السابق، لجهة بقاء "الحزب" سيفًا عسكريًا مُسلّطًا على إسرائيل، يسعى لبنان الرسمي جاهدًا لطي صفحة الحروب المُتكرّرة بشكل جذري هذه المرّة، عبر بسط سُلطة القوى الشرعيّة وحدها على كامل أراضي الجنوب، وسحب الأسلحة من يد كل الجهات الأخرى. وبالتالي، لا يقتصر هدف الوفد اللبناني إلى واشنطن على انسحاب الاحتلال ووقف اعتداءاته، بل على إيجاد الأرضية المناسبة لتحويل الجنوب من ساحة حروب مفتوحة دفاعًا عن مصالح إقليمية، إلى أرض ملائمة للعيش الكريم المُستدام.
اللافت أنّ أمين عام "حزب الله" الشيخ نعيم قاسم قال صراحة في تصريحه الأخير: "صبرنا لمدّة 15 شهرًا، فكان الصبر جزءًا من الميدان فلا تظنّوا أنّ الصبر كان تراجعًا... الصبر كان جزءًا من الميدان إعدادًا واستعدادًا"، ليؤكّد بذلك فشل القرارات السابقة الموازية لوقف الأعمال العدائية، وتحديدًا ما يرتبط بجعل منطقة جنوب نهر الليطاني خالية من وجود المقاتلين، حيث كان "الحزب" يقوم سرًّا بإعادة تأهيل بناه التحتية وقواه العسكرية، والتحضير للجولة المقبلة من القتال بعد الضربات القاسية التي تلقّاها في صيف وخريف العام 2024. وذهب الشيخ قاسم بعيدًا في إطلاق اسم "كسر المشروع الإسرائيلي" على المرحلة الحالية.
انطلاقًا ممّا سَبق، يُمكن القول إنّه في الوقت الذي رأى فيه رئيس مجلس النواب نبيه برّي أنّ اتفاق تشرين الثاني 2024 يُشكّل "فرصة جاهزة بما يتضمّنه من آلية لتثبيت وقف إطلاق النار والتحقّق من أي خروقات أو تهديدات، إذا ما تمّ تبنّيه في المفاوضات القائمة في سويسرا"، في محاولة منه للعودة إلى الاتفاق السابق وآلية "الميكانيزم"، ترفض إسرائيل هذا الأمر كليًا، وهي تشترط على الجانب اللبناني الرسمي تغيير نهج التعاطي السابق. وهي تحرص على أن تكون خطوات الانسحاب الجزئي من جانبها، تجريبية لاختبار نوايا الحكومة اللبنانية وجديتها في التنفيذ. وحتى الجانب الأميركي المُستعدّ لمجاراة مطلب إيران بالضغط على إسرائيل لتأمين انسحابها من لبنان، يُشدّد على ضرورة اتخاذ تدابير ميدانية حاسمة من قبل السُلطة اللبنانية والجيش لإنهاء ازدواجية السلاح على الحدود مع إسرائيل.
في الختام، من المُنتظر أن تتواصل عمليات شدّ الحبال في المدى المنظور، وهي لن تكون محصورة بما سيجري بين واشنطن وإيران، ولا بما سيحصل بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي، بل ستطال الواقع الميداني. وفي هذا السياق، يُتوقّع أن تكون أرض الجنوب عرضة لاختبارات عدّة في الأيام والأسابيع القليلة المقبلة، من جدّية مسألة تثبيت وقف النار، ومنع استمرار الخروقات التي ستستجلب ردود فعل عسكرية، إلى جدّية الانسحابات الإسرائيلية المنتظرة وقدرة الحُكومة اللبنانية على تعبئة الفراغ وفرض سُلطتها الميدانية. وفي الانتظار، الهدوء الحذر والمُتقطّع لا يُوحي بالطمأنينة حتى إشعار آخر، والسلام الفعلي ما زال بعيد المنال كثيرًا.





















































